تربية جيل المراهقة تحت مظلة التقدم التكنولوجي / بقلم: أسمهان قدح

بقلم: أسمهان قدح
المستشارة التربوية في المدرسة الأهلية للتميز بيت بيرل


عندما نفكر ملياً بدرجة التفاؤل المرجوة لنجاح جهود الآباء والأمهات في تربية الأبناء في ظل هبوب عاصفة التقدم التكنولوجي التي تهدد المجتمع في اقتلاع الثوابت، وتغيير القيم، ورسم ثقافة أخرى مستوردة من خلال الانفتاح الى العالم الواسع باستعمالات التكنولوجيا الحديثة والتلفزة الغنية بأفكار لا صلة لمجتمعنا بها.

ننظر الى واقعنا اليوم على انه زمن الانفتاح والتقدم، ومع كثرة التحديثات التكنولوجية والفضائيات وكثرة الثقافات نجد جيل المراهقة يعيشون اليوم في مفترق ِطرق وتحت تأثير هذه الأمور, فيكونوا عرضة للوقوع في الأخطاء التربوية والأخلاقية. فنحن نلاحظ ما أحدثته الفضائيات وشبكة الإنترنت من تغير مهم في مجتمعنا بما قدمته من تطبيقات للاتصالات والتواصل الاجتماعي، فجعلت افراد المجتمع ينساب بعضهم على بعض، فلا حدود ولا قيود تقف في وجه انتقال المعلومات، في حين بان التربية من أكثر عناصر المجتمع قابلة للتغير, لذلك من المتوقع بان الانفتاح والتقدم سيحدث تغيرًا كبيرًا في نوعية وجودة التربية, مناهجها وأساليبها وأثرها, وهنا صار ضرورياً مراجعة منظومة التربية لتلائم تربية هذا الجيل في ظل التقدم التكنولوجي السريع.


صحيح بأن المربي هو من يوجّه للأخلاق والمثل وبلورة المبادئ المقبولة اجتماعياً ودينياً, ولكن ايضاً لم يعد الطالب يقتدي بمربيه فقط، بل اصبح له شركاء آخرون, فالقنوات الفضائية وما تبثه من إغراء يتناقض مع قيم المجتمع, وشبكة الأنترنت وما تحمله في طياتها من مواقع ومقالات تدعو إلى أفكار وسلوكيات مشبوهة, لقد أصبح جيل المراهقة يستقبل عبر التكنولوجيا أفكار الأمم والمجتمعات وثقافتهم بما في ذلك لهجاتهم واعرافهم وعاداتهم . لهذا ليس من السهل على أبنائنا وبناتنا التصدي لهذه الاغراءات دون أن يكون لهم من يدعمهم ويمد لهم يد العون والمساعدة وخصوصاً المعلمين في المدارس والمربين, وكذلك لم يعد سهلاً على طواقم المعلمين والمعلمات أن ينجحوا في مهمتهم في تربية هذا الجيل بسبب ازدحام المثيرات وكمياتها التي ينكشف اليها الطلاب .

فاذا نظرنا الى وكلاء التغيير للتربية من أهمها سنجد أربع بيئات مؤثرة جداً بهذا المجال وملازمة للفرد وتأثيرها ذو طابع استمراري, تؤثر فيه أحياناً سلبًا وأحياناً أخرى إيجابًا, وهي: الأسرة , المؤسسة التعليمية، المجتمع بما في ذلك الأصدقاء والشارع ومن يعيش بينهم ومعهم، وأخيرًا البيئة الذاتية للفرد وعالمه الشخصي، وكما نعلم فإن البيئة الشخصية والذاتية اكثر ما يحفزه الخير أو الشر، قضائه أكبر وقت فيها يظهر أثرها الإيجابي أو السلبي على الفرد، ولا ننسى أن جميع وكلاء التغيير متأثرة باختلاف الزمان والتقدم وأساليب التربية.


هذا التغيير السريع يؤدي إلى توتر العمل التربوي في المجتمع، ويفك الروابط بين الأجيال، فنلاحظ أن كل جيل يعتبر نفسه بريء من الجيل الذي سبقه، والاستقلال عن نمط حياته ، حتى يفقد الأهل في بعض الأحيان القدرة على التفاهم مع أولادهم، ويتخبطون في اختيار نوع التوجيه المناسب لهم، فتظهر عدم السيطرة على تصرفاتهم وتقويمها، وفي ظل مشاغل الحياة ومعاركة الالتزامات العديدة ربما لا يجدون الوقت الكافي لممارسة التوجيه والتربية لأبنائهم سواء في المواقف أو الأفعال، وأحياناً هذا لا ينبع فقط من انشغالهم؛ بل لأن أولادهما اصبحوا مشغولين بشبكات التواصل والأجهزة الذكية والكمبيوتر أو الإنترنت!

ما العمل اذاً؟
هل نغلق سماء الارسال ونقطع الاتصال التكنولوجي المفتوح أمام شبابنا؟
هل نحبس شبابنا داخل عالمنا المصغر؟

من المؤكد بأن هذا مستحيل والأحرى ان نعيد التفكير في البدائل لإمكانيات التربية المعاصرة التي تتوافق مع قيمنا الاجتماعية والتطور الفكري. بدائل تتطلب تغيير بعض ما عهدناه من علاقات أسرية واجتماعية تربوية, حتى لو تطلب الأمر منا قليل من التنازل في تعاملنا مع ابنائنا ونكون معهم في ظروف الحياة لنقف معهم جنبا إلى جنب في وجه التغيير الكبير وتحدي معطيات العصر الحالي.
علينا أن ننادي بتربية فعالة ناقدة تعطي الفرصة لأبنائنا بالتفكير السليم وطرح الأسئلة بالنسبة لما يدور في البيئة القريبة من أحداث. ونعمل على تربية لحرية التفكير لتمييز بين شعارات زائفة أو قيم مستوردة من ثقافات غريبة عن واقعنا الاجتماعي.

علينا أن نعوّد أبناءنا على الاختيار الصحيح لمصادر المعرفة بين بدائل كثيرة ، حيث اصبح صعباً أن نفرض على أبنائنا أسلوب حياتهم وأن نقرر لهم نهج يمشون عليه. وعلى الأهل وطواقم المعلمين تزويدهم بالقيم الصحيحة اجتماعياً ودينياً، والأهم نعلمهم تحمل مسئولية الاختيار. فقد انتهى عصر التربية التي أساسها الإرهاب والعنف، ونحن في زمن التربية الحديثة مع تشجيع الاختيار والمشاركة والتعبير عن آرائهم واهتمامهم. وفقط بهذه النظرة يكون الأساس الذي سيعطيهم القوة والطاقة الايجابية في تحدي المفاجآت الثقافية والاجتماعية في ظل التطور والتقدم.

الاصغاء الجيد لهذا الجيل لا يعني مجرد أن نستمع اليهم, الإصغاء يعني اللقاء بين القلب والعقل ومحاولة الأهل للنزول إلى مستوى الأبناء ومشاركته مشاعره حتى ولو تناقضت معه. فكم من أخطاء خطيرة وقع فيها الشباب بسبب عدم وجود من يستمع لهم بقلبه دون تخويف أو تهديد. فالإصغاء يساعدنا على التصدي للخطـأ في بدايته ويصبح العلاج اسهل بكثير قبل وصوله إلى درجة لا لا تسمح بالتصحيح .

وقبل الختام علينا أن نتذكر بأن التقدم التكنولوجي والعلمي له وجه إيجابي من خلاله يتغير جميع ما حولنا الى الأفضل, فهذا التقدم يعتبر مسرحاً لسرعة تبادل التجارب التربوية والتعلم من نجاحات الأخرين من مختلف أرجاء العالم, كما أن التقدم التكنولوجي اصبح يساعد تأثير المربي وفق أساليب تربوية حديثة وتعدد الآراء التربوية، وتساعد المربي أو الأهل في التواصل المستمر مع الأبناء من خلال شبكات التواصل الحديثة.
لهذا علينا أن نربي الأبناء على استغلال فوائد التقدم التكنولوجي والاستفادة من كميات المعرفة المتوفرة من أجل التعلم الذاتي والبحث العلمي .

تعليقات - عبر عن ارائك وبكل حرية
الاسم :
البلد :
التعليق :
جميع الحقوق محفوظة لدى موقع بلدنا 2005 - 2016
(الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها فقط )


Powered by BldnaHitech
بلدنا هايتك - بناء وتصميم مواقع انترنت